خليل الصفدي
221
أعيان العصر وأعوان النصر
نقول : أتيت الكوفة دون أهل الكوفة ، كما قال تعالى : ادْخُلُوا مِصْرَ [ يوسف : 99 ] . والجواب عن الأول : أن الاستطعام وظيفة السائل ، والضيافة وظيفة المسؤول ؛ لأن العرف يقضي بذلك ، فيدعو المقيم إلى منزله القادم يسأله ، ويحمله إلى منزله . وعن الثاني : أن في الإباء من قوة المنع ما ليس في فلم ؛ لأنها تقلب المضارع إلى الماضي وتنفيه ، فلا يدل على أنهم لم يضيفوهم في الاستقبال ، بخلاف الإباء المقرون بأن ، فإنه يدل على النفي مطلقا ، وآيته : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ [ التوبة : 32 ] . وعن الثالث : أنه مبني على أن مسمّى القرية ما ذا أهو الجدران وأهلها معا ، حال كونهم فيها أم هي فقط أم هم فقط ، والظاهر عندي أنه لم يطلق عليها مع قطع النظر إلى وجود أهلها وعدمهم ، بدليل قوله تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [ البقرة : 259 ] سمّاها قرية ، ولا أهل ولا جدار قائما ، ولعدم تناول لفظ القرية إياهم في البيع ، إذا كانت القرية وأهلها ملكا للبائع ، وهم فيها حالة البيع ، ولو كان الأهل داخلين في مسمّاها لدخلوا في البيع ، ولثبوت المغايرة بين المضاف والمضاف إليه ، وإنما ذكر الأهل ؛ لأنهم المقصود من سابق الكلام دون الجدران ؛ لأنه بمعرض حكاية ما وقع منهم من اللؤم . فإن قلت : فما تصنع بقوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [ القصص : 58 ] ، وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [ الأعراف : 4 ] ، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً [ النحل : 112 ] إلى آخره ، وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] ، فإن المراد في هذه الآيات وأمثالها الأهل والجدران ، قلت : هو من باب المجاز بالقرينة ؛ لأن الإهلاك إنما ينسب إليهم دونها بدليل ، أَوْ هُمْ قائِلُونَ [ الأعراف : 4 ] ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] ، بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [ القصص : 58 ] ، ولاستحالة السؤال من غير الأهل ، على أنا نقول : لو تصوّر وقوع الهلاك على نفس القرية بالخسف والحريق والغرق ، ونحوه ، لم تتعين الحقيقة لما ذكرناه . هذا صورة ما كتب به إلى الشيخ زين الدين - رحمه اللّه تعالى - ، وقد كنت كتبت هذا السؤال للشيخ الإمام العلامة نجم الدين علي بن داود القحفازي ، وأجاب عنه بجواب يأتي - إن شاء اللّه - في ترجمته . وأجاب عنه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه اللّه تعالى - يجيء في ترجمته - إن شاء اللّه تعالى - ، وقرأ الشيخ زين الدين القرآن ببغداد على الشيخ عبد اللّه